عقيل الحمداني تل العطيشي ...شاهد اثاري عبر الزمان

    الابحاث والمقالات

    تل العطيشي ...شاهد اثاري عبر الزمان

       
    15 مشاهدة   |   0 تقييم
    تحديث   03/01/2019 4:08 مساءا

     

     

     

     

           يشغل تل العطيشي رأس المثلث الذي تشكّله مقاطعة أبو زرنت في قسمها الجنوبي، وهو يبعد عن مركز المدينة كربلاء حوالي (11كلم)  بجهة شمال شرق المدينة - وهو مجاور لخان العطيشـي  بل هما يشغلان تلاً أثرياً واحداً قطعه الشارع إلى شطرين والتل بإطلاله الحاليّة عبارة عن شكلٍ شبة مستدير يبلغ قطره في حدود (250م) ويبلغ ارتفاعه (5 -7م) فوق مستوى الأرض المجاورة له وتقدر مساحته الإجمالية في حدود ((14دونم)) تقريباً  وهو يقع على ارتفاع (30-34 م) فوق مستوى سطح البحر.

          ومفهوم كلمة "عطيشي" حسب الروايات المحلية ترجعه إلى شخص "أسطوري" اسمه "عطيش بن شبرم" هاجر من نواحي الحجاز أثر خلاف دامي مع أشراف مكة - واستوطن ضواحي كربلاء خلال فترات الحكم العثماني وهذه الروايات لا دليل لها ولا إثبات، وأغلبها نسيج أسطوري وملحمي، نفهم من خلاله اعتزاز القبائل العربية  بتاريخها ونسبها والمعروف  إن الذاكرة الشعبيّة تعيد إنتاج الروايات -  عن طريق تجميع شتات متفرقة من الأحداث والأزمان؛ لتنتج أساطيرها الخاصة به.

          وإذا صحّ وجود هذا الشخص فإنّ اسمه يوحي أنّه ليس بالعربي - فإنّ لفظة " شبرم "  تشير إلى كونها اسم "عبري" وليس عربي، مما يفيد أنّ لفظ  "عطيشي"  أقدم بكثير من تاريخ استقرار قبيلة المسعود فيه إثر نزاعهم مع أشراف الحجاز، واضطرارهم للهجرة في أواسط عصور السلطنة العثمانية - كما تزعم بعض الروايات المتداولة والامر فيه بحث ولانجزم بتفاصيل ماذكرنا .

          يبدو أنّ سكان حصن العطيشي هم من سكان العراق الحيريين، وربما  كانت عقيدتهم المسيحيّة قبل أن يضطروا لاعتناق الإسلام؛ فقد دلّت التنقيبات التي آجرتها بعثة التنقيب الأثريّة عام ( 2008 م )  وجود طبقتين أثريتين تنتميان إلى عصرين مختلفين ((مع وجود آثار حرق شديد لهذه الطبقة بحيث أحمرّت إجزاء من بقايا الأسس والأرضية، وبعد التوسع بالتنقيب باتجاه الركن الغربي من المربع (B4 ) ظهرت حفرة دائريّة الشكل... تضمّ ( 8 ) جرار كبيرة الحجم بيضوية البدن عديمة الرقبة، الفوّهة ضيّقة نسبياً، القاعدة مدببة مطليّة من الداخل بالقار، وعليها من الخارج علامات باللون الأسود على شكل سهام... متجهة إلى الأعلى، وعلى واحدة من هذه الجدران علامة الصليب المعقوف )) .

           ووجود هذه الخزفيات وأثار الحرق ينتمي إلى الطبقة الثانية -  والتي هي أحدث عهداً - وربما ترجع إلى العصور الإسلامية - العباسيّة. فقد بيّنت اللّقى الخزفيّة التي عثر عليها في أماكن متفرقة من الطبقة الثانيّة إنها: (( تنتمي إلى العصر العباسي الذي أزدهر في حدود (221-279هـ). إنّ نوعيّة زجاج الموقع جيدة، فبعضها شفافة تماماً، والبعض الأخر نصف شفاف، ومنها لا يزيد سمكها عن المليمتر الواحد،  أمّا الألوان  فغالب عليها اللّون الأزرق بدرجاته، والأخضر المائل للزرقة، وهي الألوان ذاتها السائدة على بقية الألوان في زجاج الكوفة )) كما تم اكتشاف: (( مسكوكة نحاسيّة مضروب عليها " لا إله إلّا الله " ومضـروب على قفاها " محمّد رسول الله": عرضت على خبراء المسكوكات في المتحف العراقي فتمّ تحديد فترتها التاريخيّة بالعصر العبّاسي بعد فترة الرشيد )) .

           والسؤال: ما حاجة العباسيين إلى بناء حصن كبير مدرع بالأبراج - يقع ارتفاع جدرانه في حدود ( 8م ) في منطقة تقع إلى الشرق من نهر العلقمي وتحميها من الجنوب مستنقعات نهر نينوى وآجامه؟، دون وجود الوثائق لا جدوى من سؤال كهذا، فلن تقدّم لنا التخمينات جديداً يعتمد عليه. غير أنّ وجود حصن كبير مثل حصن العطيشي في موقع جغرافي مطوق بالمستنقعات وجنائن النّخيل والأنهار والقنوات وذلك قبل الفتح الإسلامي؛ يعد أمراً محيراً للغاية  وقد أظهرت الجهود التي بذلتها بعثة التنقيب العراقية امتداد إحدى الواجهات الموازية للواجهة الشمالية وبطول ( 65م ) مدعمة بالأبراج، عبارة عن جدار مزدوج يترك زقاقاً ضيقاً لا يتجاوز عرضه عن " 2.40 م " وهذا الزقاق غير سالك إذ يعترضه جدار سميك  ( 80 سم ).

    ووجود الأزقّة والممرّات الضيّقة والمسدودة أو ذات المنافذ الحرجة - تجعل من البناء حصناً عسكرياً - دفاعياً بامتياز.

    هذا الصرح التراثي يمر بوضع مآساوي نتيجة الاهمال الواضح لهذا المعلم المهم الذي يحكي تاريخ مدينة كربلاء.

     



    comments تعليقات

    الاسم

    البريد الالكتروني

    نص التعليق
    0/2000




    جميع الحقوق محفوظة لدى شركة ميديا لايف
    3:45