عقيل الحمداني لماذا ارسل سيدنا مسلم بن عقيل  ع  للكوفة ؟

    الابحاث والمقالات

    لماذا ارسل سيدنا مسلم بن عقيل  ع  للكوفة ؟

       
    564 مشاهدة   |   0 تقييم
    تحديث   31/08/2017 4:02 مساءا

     لماذا ارسل سيدنا مسلم بن عقيل  ع  للكوفة ؟

    لو رجعنا للمصادر التاريخية التي أرّخت للسبب الاساس الذي من اجله بُعث مسلم بن عقيل سلام الله عليه الى الكوفة نجد ان هناك مفارقات عجيبة في التاريخ , وحقيقة ان هناك ضبابية في معرفة السبب الاساس الذي بُعث من اجله مسلم بن عقيل ع الى الكوفة , هل انه اتى لاحتلال الكوفة عسكريا ؟ هل انه اتى للتمهيد لقدوم سيد الشهداء ع فيما بعد اذا ما كانت الامور واضحة المعالم لدى الامام الحسين ع والارضية مُهيأة وبالإمكان ان ينطلق منها الإمام الحسين ع نحو التغيير الاعظم , أم ان مسلم بن عقيل ع جاء من اجل ان يُضعف الجبهة العسكرية لآل أمية ؟.

    حقيقة الجواب الشافي والصريح لم يتوضح لنا بشكل مباشر من كتب التاريخ , لكن اذا ما رجعنا الى النصوص، ولا زلنا نقف عند نصوص الطبري ونصوص الكامل في التاريخ , نجد اشارة من بُعد اشار اليها ابن الاثير في كتابه الكامل  في احداث سنة 60 للهجرة , ينقل لنا جواب الامام الحسين ع على رسائل شيعة الكوفة .عندما ارسلوا اليه الكتاب المشهور يقول (فكتب اليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده , قال : اما بعد فقد فهمتُ كل الذي اقتصصتم وقد بعثتُ اليكم اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل وامرته ان يكتب الي بحالكم وأمركم ورأيكم  ) ([1]). نحن قلنا فيما مضى انه ليس من حق اي انسان ان يكتب رسالة بعدما وصل مسلم بن عقيل ع للكوفة لأنه هو المفوض ان يكتب الى الحسين ع بالأخبار وكل شيء , وبالتالي هذا الامر سوف يوصلنا الى شيء مهم جدا , إنه هذا العدد الهائل من الرسائل الذي حاول التنظير العباسي ان يروج له كأن يكون عددها ستمئة رسالة (600) او مئة وعشرون الف رسالة (120,000) او ثمانية عشر الف رسالة (18,000) كلها بحاجة الى دراسة وفيها وهم وتدليس كبير , لأنه لا يحق لاي احد الا لمسلم ع  ان يكتب رسالة للحسين ع وهو فقط بقرينة قول الحسين ع : ( وامرت ان يكتب هو الي بحالكم وامركم ورأيكم , فإن كتب الي ان قد اجتمع ملأكم وذوي الحِجي منكم على مثل ما قدّمت وقَدِمت به رسلكم , أقدِم اليكم وشيكا ان شاء الله تعالى ) .هنا ابن الاثير يحاول ان يجعل مسلم هذا العملاق و هذا الرجل صاحب الخبرات العسكرية والادارية والذي تقريبا قلنا ان عمره 52 سنة وهو من صحابة الرسول ’ كما اثبتنا سابقا , ان يجعله عبارة عن انسان يذهب ليجّس نبض اهل الكوفة , وكأن الامام الحسين( سلام الله عليه) لا يعلم حال اهل الكوفة ولا حال ولاء شيعة اهل الكوفة المطلق له , اولم يكن الحسين ع قد عاش معهم من قبل  ! .. فالامام الحسين ع قد عاش على الاقل خمس سنوات في الكوفة وتعرف الى ميولهم وطباعهم والى كل الافكار التي يتبنوها , لذا يحاول ابن الاثير ان يجعل مسلم ع رسول  يحاول ان يتعرف هل انهم بقوا على الولاء ام لم يبقوا على الولاء وهذا امر خطير , ونحن نقول ان مسلماً (صلوات الله وسلامه عليه ) جزء من التخطيط الإلهي لكربلاء .

    الإمام الحسين× ارسل مسلم لأمر خطير جداً , فلم يكن الهدف السيطرة على الكوفة وإلا لكان احتل الكوفة ايام النعمان بن بشير , إذن الهدف العسكري ابعد .

    ولم يكن الهدف لجّس النبض لأنه قد تعرف الى اهل الكوفة عن طريق الرسائل والوفود وعن طريق معاشرتهم ايام حكومة الامام علي ع .. إنما كان هناك هدف اكبر اشرنا اليه فيما مضى وهو ان مسلم ع رجل عسكري صاحب خبرة عليه ان يجهز جيش بإلاف الرجال للموقعة الكبرى في كربلاء .

    أنا اسأل القارئ الكريم لدينا تقريبا اربع حواضر بإمكان ان يبعث الإمام الحسين ع اليها  مُسلماً, أما ان يرسله الى مكة , او الى المدينة او الى اليمن او الى الكوفة فهذه أربعة حواضر .

    لماذا ارسل الإمام الحسين ع مسلم بن عقيل الى الكوفة تحديدا , كان بالإمكان ان يرسله الى مكة , اذا ما رجعنا الى التاريخ نجد ان اسباب عدم ارساله الى تلك البلاد كلها منطقية فمثلا .. لماذا لم يجعل الامام الحسين ع مسلم سفيرا له في المدينة او خليفة له عليها  ويستطيع ان يؤدي كل الذي عليه في المدينة ؟:

     الجواب : المدينة لا تصلح ان تكون منطلقا لثورة الحسين ع لعدة اسباب :

    1-          المدينة من حيث الواقع الاقتصادي اتعبها معاوية لأنه استولى على اغلب اراضيها سواءً بالاختيار او بالإجبار. والثورة تحتاج الى واقع اقتصادي جيد .

    2-          وجود المعارضة التقليدية متمثلة بعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير التي تشكل قنابل موقوتة تنفجر في اي لحظة ضد ثورة مسلم بن عقيل .

    3-          ان عددا كبيرا من اهل المدينة لم يكن هواهم مع الحسين ع , لدينا نص عجيب عن الامام زين العابدين × يقول : ليس في المدينة ما يقرب من عشرين رجل يحبون اهل البيت ^, لذلك استثنى الامام الحسين× ان يرسل مسلم الى المدينة .ما اشار الدكتور محسن القزويني الى ذلك في دراسته عن الثورة الحسينية .

    *وهذا النص يحتاج الى تأمل كبير ودراسة متانية فأين ذهب مكون الانصار وهم بالألاف الذين كانوا على طول الخط في ولاء كبير لأهل البيت ^ وتفانوا في الدفاع عن الامام علي ع في معاركه الثلاثة وقدموا مئات  الشهداء في سبيل الاسلام المحمدي الاصيل الا اللهم ان يقال ان موجات التهجير القسري التي مارسها الحكام ضدهم عبر ازمنة الحكم السقيفي والاموي غيرت الخارطة الجغرافية لتواجدهم .

    طيب لماذا لم يرسله الحسين ×  الى مكة ؟ .. طبعا توجد ايضا اسباب منها :

    1-          آل أمية لا يتورعون عن قتل مسلم ع و حتى عن قتل الحسين ع.. في مكة المكرمة . والامام قال هذا الكلام بصراحة : ان ابي علي ع اخبرني بأن كبشا سيسُتحل حرمته في الكعبة ولا أحب ان اكون أنا , فإذا كان الحسين × يُستهدف من قبل ال امية  . فكيف لا يُستهدف مسلم؟ ! .

    2-          انعدام الوعي السياسي آنذاك لأهل مكة لان الغالب على اهل مكة, انهم اهل تجارة وليس لديهم شأن بالحروب وليس لديهم شأن بالسياسة ولا بالإدارة ولا بالنظم فبالتأكيد حركة مسلم بن عقيل لا تؤتي ثمارها .

    3-          اذا ذهب مسلم بن عقيل ع لمكة فسوف تفشل نهضته المباركة لماذا ؟ لان مكة آنذاك مركز آل امية .. العلامة بن ابي الحديد ينقل نص في شرح النهج قال :(قال شيخي ابو جعفر الاسكافي: أما اهل مكة فكلهم كانوا يبغضون علياً وكان قريش كلها على خلاف علي بن ابي طالب) ([2]) فالإمام الحسين ع لم يرسل مسلما لمكة لهذه الاسباب .

    أما لماذا لم يرسله الى اليمن ؟ طبعا لأسباب منها :

    1-          اليمن بحكم موقعها الجغرافي بعيدة عن واقع الدولة آنذاك .. والامام الحسين ع عندما اراد ان يحدث تغييرا , لا بُد ان يكون هذا التغيير هائل بحيث يصطدم بعمق تلك الدولة ويستطيع ان يقضي على عروش تلك الدولة .. لذلك استثنى اليمن فهي بعيدة جغرافياً .

    2-          الواقع الاقتصادي لليمن ضعيف , و بالتالي الثورة تحتاج الى رجال وتحتاج الى مؤن اقتصادية ..

     طيب ولعل سائل يقول فلماذا بقي الحسين ع في مكة ؟؟واحدة من اسباب بقاء الامام الحسين ع في مكة ماذا يفعل ؟ ..اولا دوره الاعلامي من اجل ان يُهيأ للنهضة .. وايضا اغلب الاموال الاقتصاديات موجودة في مكة فلا بُد للأمام الحسين ع ان يتزود اقتصاديا من اجل ان يغير .. وبالتالي من اجل هذه القضايا ارسل الامام الحسين مسلم بن عقيل الى الكوفة لأنه :

    1-          الكوفة فيها اكبر عدد من الشيعة من البقية اي ما يقرب اكثر من 15 الف شيعي موالي .

    2-          الكوفة كانت تمد واقع المسلمين بالجيش .. دائما عندما نقرأ في التاريخ انها ثكنة عسكرية كبيرة، ونقرأ نص وأمدهم اهل الكوفة بالسلاح وبالجيش , ولأنها ثكنة عسكرية ارسل الامام الحسين ع مسلما الى الكوفة .

    لأنها كانت مُهيأة من كافة الجوانب ومن اجل ان يأتي اليه بأكبر عدد من الجنود .. يعني عملية تنظيم جند وارسالهم الى كربلاء .

    اي لم تكن الغاية احتلال عسكري للكوفة ولم يكن هذا في ذهن الحسين ع , ولا من اجل ان يجّس نبض اهل الكوفة لان الامام الحسين ع اعرف الناس بهم وعاش معهم خمس سنين ايام حكومة امير المؤمنين علي ع .

    إذن ارسله من اجل ان يكون منظم لأحوال هؤلاء الجند ومن اجل ان يرسل اكبر كمية من الجند الى كربلاء الى حيث الموقعة العظمى التي خططت لها السماء وبشر بها النبي ’ .

    لدينا نص كتبه الامام الحسين ع قبل خروجه من المدينة يرسم لنا ملامح خارطة الطريق للحسين ع , خارطة الطريق الالهي لكربلاء .

    والنص , يذكره العلامة المجلسي في كتابه البحار هو من النصوص المعتبرة حقيقة , يقول ( وكتب الى محمد بن الحنفية وهو يغادر المدينة المنورة  وجاء في هذه الوصية : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اوصى به الحسين بن علي بن ابي طالب الى اخيه المعروف بمحمد بن الحنفية .. يقول الى ان قال بعدما شهد الشهادتين قال وإن الله يبعث من في القبور واني لم اخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وانما خرجتُ لطلب الاصلاح في أمُة جدي , أرُيد ان أمر بالمعروف وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله اولى بالحق ومن ردّ عليّ أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ) . هذا نص من الامام الحسين ع في بداية خروجه من المدينة , وتعلم ان هذا النص التاريخي سوف يضرب اي فكرة حاول التنظير العباسي ان يروج لها بان الحسين ع لم يأتي وإنما اتت اليه الرسائل واتى فيما بعد حسب فلسفة الرسائل لاتي اتته وهو في مكة المكرمة  .

    هم هكذا يريدون أن يُفهِموا الناس انه لولا وصول رسائل اهل الكوفة للحسين ع فانه ع لم يتحرك من مكة الى الكوفة , هذا النص السابق يثبت ان هناك تخطيط إلهي نبوي ومن ثم حسيني الى فهم أيدولوجيات الثورة واساسيات الثورة والتخطيط الصحيح , يعني الحسين × عندما انطلق من المدينة كانت واجهة الامام الحسين × الى كربلاء , ونحن نقلنا نص فيما مضى من بحث عندما يأتي عبد الله بن عمر نراه يقول للحسين × - قال وإياك ان تذهب الى الكوفة والى العراق -  .. إذن من اين علم عبد الله بن عمر انه في مخطط الحسين ع ان يذهب الى العراق , علم من خلال التخطيط الالهي لواقعة كربلاء الذي اخبر النبي محمد ’ ببعضه الى الامة ودعاهم لنصرة الحسين ع وانه لابد ان يذهب الامام الحسين ع الى كربلاء تحديدا , ليس الى مكة وليس الى اليمن وليس الى اي مكان في العالم .

    الحسين ع  وجّد من اجل ان يدخل في هذه الملحمة وان يذهب الى حرب تأديبية لآل امية , فالنبي ’ خطط لكربلاء حتى وان كانت الاعداد الاموية اكبر فلو رجعنا الى غزوة تبوك وفيما بعد الى غزوة مؤتة سنة 8 للهجرة , نجد ان  اعداد الرومان كانت اكثر من ثلاثة اضعاف المسلمين , وعندما نأتي الى فهم فلسفة ذهاب المسلمين الى غزوة مؤتة مع الروم .. يقال ان هذه الغزوة تأديبية اراد بها النبي ’ ان يثبت بها أحقية الاسلام وان يبرهن لهم انه موجود وله قدرة على التغيير وأنه يؤدب الرومان .

    كذلك حركة الحسين ع , و مع الفارق في الجيش وفي العدد وفي العدة لكن الامام الحسين ع خططت له السماء ان يذهب الى كربلاء , وامتثل للتكليف .. وبالتالي ذهاب مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) لم يكن لاحتلال عسكري .. هذه الشبهة يجب ان تذهب من اذهان الناس , ولم يكن من اجل ان يجّس نبض الكوفيين فهم على العهد باقون ,وهناك رسائل سنة 50 للهجرة بعد شهادة الامام الحسن ع ,تقول ان اهل الكوفة شكلوا وفداً وكتبوا رسالة للإمام الحسين ع أن كيف نتحرك وكيف نعمل .. فكتب لهم الإمام الحسين ع : كونوا كحلس البيوت , اي اجلسوا في بيوتكم الى ان يذهب الطاغية , اي اخبرهم الآن ثمرة الثورة لا تأتي .. فلابد ان تكون هناك ظروف زمانية ومكانية وحالية من اجل ان نسير الى لحظة لهذه الثورة المباركة فتعطي الأكُل والثمار من اجل ان ينتصر ,هكذا كان في مخيلة الامام صلوات الله وسلامه عليه , وأكد عليه في كثير من مواقفه وكثير من مواقعه .

    إذن ما تبناه ابن الاثير في كتابه الكامل انا اتصوره بعيد عن كل واقع , كأن يقول حتى أقدم اليكم , فالذي يتصور أن الحسين ع استهدف الكوفة. بأن يأتي اليها انا اتصوره بعيد عن الواقع لأن الحسين ع لا يستطيع ان يخالف وصية النبي ’ ولا أن يضرب التخطيط الالهي عرض الحائط . 

     

    ([1]) ابن الاثير ، الكامل في التاريخ  ,ج5 , ص,  353 .

    ([2]) ابن ابي الحديد, شرح النهج, ج4 , 103. ثقة الحسين ع ، الشيخ عقيل الحمداني ، ص 26-30 .




    جميع الحقوق محفوظة لدى شركة ميديا لايف
    3:45